عبد الملك الخركوشي النيسابوري
150
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
أظله ، فقال له عيسى عليه السلام : يا ولّى اللّه ، ادع اللّه تعالى لي ، فإنني كنت في حالة فخطر ببالي الخبز فانقطعت عنى ، فقال الشيخ : اللهم إن كان الخبز خطر ببالي منذ عرفتك فلا تغفر لي . وحكى أن اللّه تعالى لما أراد أن يقرب موسى نجيا ترك موسى - عليه السلام - الأكل أربعين يوما ، فلما جاء موسى للميقات قال له ربه عزّ وجلّ : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً « 1 » . أي : طاويا . ومعناه : جائع . ثم قال اللّه تعالى : وَأَنَا اخْتَرْتُكَ « 2 » لما رضى اللّه منه من الجوع ، وترك الأكل ، ناداه ربّه عزّ وجلّ . وقال أبو ذر رضى اللّه عنه : أصل كلّ بر بين السّموات والأرض الجوع ، وأصل كلّ فجور بين السّموات والأرض الشّبع . وعن يحيى بن زكريا - عليه السلام - أنه قال : سألت إبليس متى أنت أقدر على حاجتك ؟ قال : إذا امتلأ الرجل شبعا وريا . قيل : فما ملأ يحيى بطنه بعد ذلك ، مخافة ذلك حتى فارق الدنيا . ويقال : الجوع يبرز القلب إلى الحكمة ، فإذا أبرزه إليها جلته . ويقال : من أراد أن تطاوعه نفسه في مخالفة الهوى فعليه بالجوع ، ومن أراد أن يوافقه قلبه في الإخلاص في الطاعات فعليه بالجوع . ومن أراد أن يسهل عليه تحمل البلايا في الدنيا ، ويخف عليه الحساب في الآخرة ، فعليه بالجوع . ويقال : إن بعض الفقراء من الصوفية جاور عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فمضى عليه أيام لم يطعم فيها شئ ، فجاع وضعف عن القيام ، فجاء إلى قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه إني جائع ، قال : فمضى ساعة من النهار ، وإذا جارية قد دخلت ومعها طيفورية عليها غضارة ، وعلى رأس الغضارة خبز وشئ من الحلوى فدخلت المسجد ، فقال : من الذي شكا جوعه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فخشيت أن أفتضح فقلت : أنا فدفعت إلىّ الطيفورية فجلست وأكلت حتى شبعت ، ثم مضى علىّ أيام فجعت وضعفت ، فجئت إلى النّبى صلى اللّه عليه وسلم فشكوت إليه جوعى ، فمضى ساعة من النهار ، وإذا تلك الجارية قد دخلت ومعها تلك الطيفورية على الرسم ،
--> ( 1 ) سورة طه : 12 . ( 2 ) سورة طه : 13 .